![]() |
|||
هل يتوسَّع دور سوريا الإقليمي في المستقبل؟\rناصر زيدان
هل يتوسَّع دور سوريا الإقليمي في المستقبل؟
ناصر زيدان
لا يمكن اعتبار ما جرى في سوريا الأسبوع المُنصرِم، عملية أمنية داخلية محدودة، فالمعطيات المتوافرة تؤكد أن التغييرات الكبيرة التي حصلت؛ مُتلازمة بمنهجية مُعتمدة لدى الولايات المتحدة ومعها بعض الدول المعنية الأخرى، وما بين سطور رسالة الموفد الرئاسي الأميركي توم باراك الأخيرة، إيحاءات واضحة الى أن ما حصل مرتبط بتعديل الأولويات الاستراتيجية، وفي كلامه شبه تأكيد على ما قاله عبر منصة "إكس" في حزيران/يونيو الماضي، وفيه أن اتفاقية سايكس-بيكو للعام 1916، لم تعُد صالحة لتحقيق استقرار ورخاء وسلام في المنطقة.
والواضح من خلاصات ما حصل في شمال شرق سوريا، أن الإدارة الأميركية وبهدوء، وبموافقة ضمنية من الشركاء الدوليين والإقليميين، أهدَت إدارة دمشق الجديدة انتصاراً كبيراً من دون أن يخوض جيشها معارك مُعتبرة. وانكفاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن غالبية مناطق نفوذها؛ لم يحصل بسبب هزيمة دموية. ومَن لم يُسلِّم أو يخضع للمقاربات الجديدة المُتفق عليها مسبقاً؛ دفع الثمن، ويبدو أن بعض المغامرين من حزب العمال الكردستاني المموهين بلباس "قسد"، ليس لهم مكان بالمعادلة الجديدة، وقد يكون لبقايا عناصر "داعش" الذين أُخرجوا من مخيم "الهول" في الحسكة؛ دوراً مستقبلياً في مكان آخر، وليس بالضرورة أن يكون مشابهاً للدور الذي قاموا به عام 2014.
نجحت الإدارة السورية الجديدة في عرض مكانة البلاد الجيو-سياسية وفي تدوير الزوايا وفي تسديد الفواتير المُستحقة، للقريبين وللبعيدين، ووصلت إلى حد إرضاء الصديق والعدو، ومَن كانت معهم على خصام قبل سقوط نظام الأسد، ودارت مروحة اتصالات الرئيس أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني على مساحة شاسعة، امتدت من واشنطن الى موسكو، مروراً بباريس والرياض وأنقرة والدوحة وباكو (بديلاً عن تل أبيب)، وتمكنت من إقفال الممرات الخارجية بوجه أخصامها في الداخل، وأغّرت الطموحات الأميركية وغير الأميركية، بمائدة سياسية وأمنية واستثمارية شهية، غنية بأطباق لا يستطيع تقديمها الطامحون من ممثلي بعض المكونات السورية المختلفة في الشمال وفي الجنوب وفي الساحل.
ونجحت الإدارة الأميركية أيضاً في استثمار المرونة الفائقة لدى إدارة الرئيس الشرع، وربما تفاجأت بما لديه من براغماتية تُناسب المقاربات التي تعتمدها واشنطن في سياق استراتيجيتها الخارجية الجديدة، وهي تنظُر الى المشهد الجامع من بعيد، ولا ترغب في الدخول بالتفاصيل، ولا بالتحديق بالجزئيات المُتعبة، وقد تكون المكونات السورية التي تحوَّلت الى كيانات سياسية او أمنية؛ أولى ضحايا هذه المقاربة، وتأكد أن العنوان الذي وُضع للهيكلية التي ستشرف على مستقبل غزة (مجلس السلام) لا يعني القطاع بحدِ ذاته، بل هو عبارة عن إطار دولي – أو إقليمي – بديل عن الأمم المتحدة، مهمته التعامل مع كل قضايا المنطقة برمتها.
وبمناسبة هذه التحولات الكبرى التي حصلت – أو التي ستحصل - في سوريا، يمكن رؤية مشهدية جديدة يبرز معها دور أكبر للدولة المركزية السورية، وقد يُناط بهذا الدور بعض المهمات المُشابهة بما كُلفت به دمشق ذاتها في اعقاب حرب الخليج الثاني او (عملية تحرير الكويت)، وكان من أهم أهداف هذا الدور؛ إنهاء الحروب ورواسبها على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، وتوفير هيكلية استقطاب عربية جديدة، كانت في حينها عبارة عن تعاون مصري – سعودي – سوري، يلاقي التحولات الدولية الكبرى التي حصلت على المستوى الدولي، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990.
في كواليس المُتابعين – أو المُطَّلعين – كلام كثير عن التغييرات الحاصلة، ولعلَّ أبرز ما في هذا الكلام؛ أن سوريا تعهدت بضمان الأمن للجانب التركي في الشمال، كما تعهدت بمنع أي عمل يُهدِّد أمن إسرائيل في الجنوب، وفقاً لخارطة طريق؛ فيها تبادل منافع وخدمات، وربما انسحابات من أراضي محتلة. كما هناك حديث عن إعطاء دور لسوريا في ضبط الإنفلاش في لبنان، خصوصاً بعد الخطاب الأخير للشيخ نعيم قاسم، والذي هدَّد فيه بالحرب الأهلية، إذا ما تمَّ التعرُّض لسلاح حزب الله شمال نهر الليطاني. ومطلب حصر السلاح في يد الدولة في لبنان؛ لم يعُد شرطاً اسرائيلياً لوقف العدوان فقط، بل هو مطلب عربي عام، والسوريون بدأوا يتحسسون من هذا السلاح، خصوصاً إذا ما أقدم على دعم المجموعات السورية المعارضة للإدارة الجديدة، أو لأنه برأيهم رصيد لدولة الساحل العلوية المزعومة، على ما يقول البعض.
ما ورد يُلقي الضوء على أهمية تعزيز دور الدولة في لبنان، وتدعيم مؤسساتها العسكرية والأمنية على وجه التحديد، وإقفال المنافذ التي تدخُل منها الحجج الخارجية للتدخُل بلبنان، لا سيما ذرائع إسرائيل العدوانية، والتي قد تُعلن شيئاً، وتخفي شيئاً آخر، وهي تستهدف الغاء لجنة "الميكانيزم" التي تراقب تنفيذ وقف اطلاق النار مع لبنان، لتجنُّب أي رقابة على اعتداءاتها، ولإبعاد اليونيفيل عن أي مهمة، كذلك تعمل لتغييب دور فرنسا التي تأتي في طليعة الدول المتمسِّكة بسيادة واستقلال لبنان.
|
|||
| Copyright © aldabour.net - All rights reserved 2026 |