أخر الكلام

حين يختنق الطريق… من المسؤول؟

حين يختنق الطريق… من المسؤول؟
ياسراسماعيل
لم يكن المشهد عادياً. آلاف السيارات تتدفق نحو الجبال في ريف دمشق لمشاهدة الثلج بعد غيابٍ طويل، فرحٌ أبيض تحوّل مع غروب الشمس إلى سوادٍتزينه أضواء السيارات خانق من الازدحام والفوضى. طريق واحد، سيارات متلاصقة، أبواق لا تتوقف، أعصاب مشدودة، ووقت يتسرب بلا رحمة. عندها يبرز السؤال هنا :
هل المشكلة في ضيق الطرقات؟ أم في سلوكنا عليها؟
من السهل أن نحمّل الطريق وزره، وأن نقول إنه لا يتسع لكل هذا العدد. لكن الحقيقة المرة أن كثيراً من الأزمات المرورية لا تصنعها الإسفلتات، بل تصنعها العقول. تجاوز من اليمين، إغلاق مفترق بلا اكتراث، توقف عشوائي لالتقاط صورة، غياب احترام الدور، وسائق يظن أن نجاته الفردية أهم من سلامة الجميع. هكذا تولد الفوضى، وهكذا يتحول الفرح إلى عبء.
آداب الطريق ليست ترفاً
الطريق ليس ملكاً لأحد، بل مساحة مشتركة، تحكمها الأخلاق قبل القوانين. الالتزام بالمسرب، احترام الإشارات، ترك مسافة أمان، وعدم إغلاق التقاطعات، ليست تصرفات مثالية بل واجبات أخلاقية. كل مخالفة صغيرة قد تكون الشرارة التي تشعل ساعة إضافية من الاختناق، أو سبباً في حادث، أو مأساة صامتة داخل سيارة لا نراها.
السائق ليس مجرد ممسك بالمقود، بل شريك في السلامة العامة. وعيه، هدوئه ، وتقديره للظرف العام عناصر لا تقل أهمية عن مهارته في القيادة. في لحظات الازدحام، لا نحتاج سائقاً أسرع، بل إنساناً أرحم. إنساناً يسأل نفسه: ماذا لو كان في السيارة خلفي طفل يبكي من التعب؟ ماذا لو كان في السيارة المجاورة مسنّ يعاني ألماً؟ ماذا لو كان أحدهم يحمل مريضاً يحتاج إلى دقائق لا إلى ساعات؟
وهنا نقف عند الشاهد الأخطر
تخيلوا لو أن سيارة إسعاف كانت عالقة في ذلك الطابور الطويل. مريض ينزف، أو قلب يتوقف، أو طفل يختنق… هل كانت ستصل في الوقت المناسب؟
تخيلوا حريقاً يشتعل في أحد المنازل أو المركبات، والنار أسرع من أي ازدحام. هل ستشق سيارة الإطفاء طريقها بين فوضى لا تعترف إلا بالذات؟
عندها لا يصبح الازدحام إزعاجاً، بل جريمة غير مقصودة، ضحيتها إنسان.
واجب الدولة… التنظيم قبل المنع
في المقابل، لا يمكن إعفاء الجهات الرسمية من مسؤوليتها. التخطيط المسبق، تنظيم السير في المواسم الاستثنائية، تعزيز التواجد المروري، فتح طرق بديلة، وتوجيه المواطنين عبر الإعلام، كلها أدوات ضرورية. الدولة مطالبة بأن تسبق الحدث لا أن تلحق به، وأن تتعامل مع الازدحام كمسألة سلامة عامة لا كمخالفة عابرة.
الخلاصة
الطريق مرآتنا. يعكس مستوى وعينا، واحترامنا لبعضنا، وقدرتنا على التفكير بالجماعة لا بالفرد. الثلج يذوب، والزحام ينتهي، لكن الأثر يبقى: إما درس نتعلمه، أو خطأ نكرره.
فلنسأل أنفسنا بصدق:
هل نريد طرقات أوسع فقط؟
أم نحتاج قبل ذلك إلى ضمائر أوسع؟

 

Copyright © aldabour.net - All rights reserved 2026