![]() |
|||
حين يُمحى المكان من الذاكرة: من المسؤول عن تجهيل الجيل؟
حين يُمحى المكان من الذاكرة: من المسؤول عن تجهيل الجيل؟
ياسراسماعيل
ليس السؤال الصادم أن تجهل طالبة أسماء الأنهار الكبرى في وطنها، ولا أن تعجز عن تحديد جغرافية بلادها أو محيطها العربي. السؤال الأخطر: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف أصبح الجهل بالمكان أمرًا عاديًا، بل غير مثير للاستغراب ؟
لقد كانت الجغرافيا يومًا علم الانتماء، وكانت دراسة الأرض مدخلًا لفهم التاريخ، والهوية، والمصير المشترك. لم تكن أسماء الأنهار والجبال والسهول معلومات جامدة، بل شواهد حيّة على حضارة، وحدود صراع، وذاكرة أمة. أما اليوم، فقد جرى تفريغ المناهج من بعدها المعرفي والوجداني، حتى بات الطالب يعرف العالم من شاشة هاتفه، ويجهل وطنه الذي يقف عليه.
إن طمس الجغرافيا ليس أمرًا بريئًا، ولا عرضًا عابرًا لتحديث المناهج. فحين يُفصل الجيل عن المكان، يسهل فصله عن التاريخ، ثم عن الهوية، ثم عن أي شعور بالمسؤولية تجاه المستقبل. إن جيلًا لا يعرف خارطة وطنه، هو جيل يُراد له أن يكون بلا جذور، بلا سؤال، وبلا اعتراض.
والمفارقة المؤلمة أن هذا الجيل يُلام اليوم على ضعفه، بينما هو في الحقيقة ضحية. ضحية سياسات تعليمية اختزلت المعرفة إلى مهارات استهلاكية، وأقصت المواد التي تصنع الوعي، بدعوى “عدم الجدوى” أو “مواكبة العصر”. وكأن العصر لا يحتاج إلى ذاكرة، ولا إلى بوصلة.
لسنا بحاجة إلى خطاب بكائي على أمجاد الماضي، بل إلى مراجعة شجاعة:
من يضع المناهج؟
ومن قرر أن الجغرافيا والتاريخ ترفٌ يمكن الاستغناء عنه؟
وأي إنسان نريد أن نبنيه حين نُفرغه من معرفة أرضه ولغته وسياقه الحضاري؟
إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه لا يبدأ من المدرسة وحدها، بل من البيت، ومن الإعلام، ومن النخبة الثقافية التي لا يجوز لها الصمت. يبدأ بإعادة الاعتبار للمعرفة بوصفها حقًا لا حشوًا، وبإحياء الجغرافيا والتاريخ لا كمقررات امتحانية، بل كحكاية وطن ومعنى انتماء.
هذا الجيل لا يحتاج إلى التوبيخ، بل إلى من يدلّه على الخريطة.
ولا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى مشروع وعي.
فالأمم لا تُهزم حين تُهزم عسكريًا فقط، بل حين تنسى أسماء أنهارها، ولا تسأل لماذا.
|
|||
| Copyright © aldabour.net - All rights reserved 2026 |