![]() |
|||
ثورة الجراحة
ثورة الجراحة: كيف غيّرت التكنولوجيا مستقبل العمليات الجراحية ؟
جريدة الدبور – دمشق
لم تعد الأدوات التقليدية في عالم الجراحة وحدها هي ما يحدد نجاح العملية بل أصبحت التكنولوجيا الحديثة، التي تتزاوج اليوم مع المهارات اليدوية للجراحين، عنصراً أساسياً في رسم معالم المرحلة القادمة من الجراحة الطبية. الدكتور أنس العظمة، المتخصص في الجراحة العامة والتنظيرية والصدر، يتحدث لجريدة الدبور عن كيفية تأثير هذه التكنولوجيا على مهنة الجراحة وفوائدها وتحدياتها.
التطور التكنولوجي في الجراحة: من المنظار إلى الروبوتات
يرى الدكتور العظمة أن الجراحة قد شهدت تطوراً غير مسبوق، حيث أصبحت التقنية جزءاً لا يتجزأ من المنهج الطبي في العمليات الجراحية. يشير إلى أن "المنظار لم يكن مجرد أداة أصغر بل كان ثورة في فلسفة الجراحة نفسها". فبينما كان استئصال المرارة بالمنظار في الثمانينات بداية الثورة التقنية في الجراحة، فإن هذا الابتكار كان يعني أكثر من مجرد تحسين تجميلي. "لقد شكل تحوّلًا حقيقيًا في التعامل مع الجسم البشري، من خلال تقليل الألم، الحد من الالتهابات، وتسريع العودة إلى النشاط الطبيعي".
وقد تحدث عن القفزة التالية في هذا المجال، وهي ظهور الروبوتات الجراحية مثل نظام دافنشي (Da Vinci Surgical System). "مع هذا النظام، لم يعد الجراح يمسك بالأدوات مباشرة، بل يجلس خلف منصة تحكم يمكنه من رؤية ثلاثية الأبعاد مكبرة"، موضحًا أن هذه التقنية تمنح الجراح قدرة على إجراء العمليات بدقة أكبر ومرونة تفوق ما كان ممكنًا باستخدام اليد البشرية.
كيف أثرت التكنولوجيا في الجراحة؟
وبين د.العظمة أن التكنولوجيا عاملاً محوريًا في تحسين جودة الجراحة، حسبما يشرح الدكتور العظمة. فمن خلال تطوير أنظمة التصوير عالية الدقة مثل 4K و 3D، أصبح بالإمكان الحصول على رؤية أكثر وضوحًا للتشريح البشري، مما يقلل من الأخطاء الجراحية. وأضاف: "عندما ترى الأنسجة بوضوح أعلى، يصبح الإنجاز الجراحي أكثر دقة".
مضيفا أن أدوات الطاقة المتقدمة مثل (Ultrasonic) و(Ligasure) ساعدت بشكل كبير في تقليل النزيف وتحسين السيطرة على العملية، ما يساهم في تقليل وقت العمليات الجراحية. وأضاف: "التطور في المحاكاة الجراحية قد أحدث تغييرًا أخلاقيًا وعلميًا كبيرًا. اليوم، يمكن تدريب المقيم على نموذج افتراضي قبل أن يتعامل مع مريض حقيقي".
الفوائد والتحديات: ماذا يعني هذا للمريض؟
يعتبر الدكتور العظمة أن الفوائد العلمية للمريض واضحة للغاية، فالجراحة التنظيرية تتيح له ألمًا أقل، نزيفًا أقل، إقامة أقصر في المستشفى، وعودة أسرع إلى العمل. لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه "لا يمكن القول إن الجراحة التنظيرية هي الخيار الأنسب للجميع، فهناك حالات معينة تفرض استخدام الجراحة المفتوحة، مثل التصاقات شديدة بعد عمليات سابقة أو نزيف غير قابل للتحكم، وأورام كبيرة جدًا أو غير قابلة للاستئصال باستخدام المنظار".
وأوضح أن الجراحة المفتوحة ليست فشلًا في حد ذاتها، بل هي أداة حيوية في صندوق الأدوات الجراحية. وقال: "الجراح الجيد لا يقع في حب التقنية بحد ذاتها، بل في السعي لتحقيق النتيجة الأفضل لصحة المريض".
التحديات التي يواجهها الجراحون
رغم تقدم التكنولوجيا، فإنها لا تخلو من تحديات. فالجراحون الذين يستخدمون المنظار التقليدي يواجهون تحديات، مثل الرؤية الثنائية البُعد التي تتطلب إعادة برمجة الإدراك العميق. كما أن فقدان الحس اللمسي يجعل الجراح يعتمد بشكل كبير على الرؤية البصرية، وهو ما قد يكون صعبًا في بعض العمليات المعقدة.
وأشار إلى أن منحنى التعلم حاد جدًا في بعض الإجراءات مثل جراحة القولون المتقدمة أو جراحة البدانة. كما أن هناك عاملًا اقتصاديًا مهمًا، حيث أن الأجهزة التقنية الحديثة غالية الثمن، تتطلب صيانة مكلفة وتحتاج إلى فرق طبية مدربة بشكل كامل.
ما هو مستقبل الجراحة؟
أما عن المستقبل، فقد أكد الدكتور العظمة أن المشهد سيكون أكثر إثارة مع تقدم الذكاء الاصطناعي. فيقول: "الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل في تحليل الصور الجراحية أثناء العملية، حيث يمكن أن تنبهك الأنظمة إلى تفاصيل حيوية مثل موقع الحالب، مما يعزز من دقة العملية ويقلل من الأخطاء".
كما يرى أن الروبوتات ستصبح أصغر حجمًا، وربما ستكون قادرة على أداء مهام دقيقة مثل الخياطة. "من المحتمل أن نصل في المستقبل إلى مرحلة من الجراحة الموجهة بالبيانات، حيث يتم دمج صور CT و MRI مباشرة داخل المشهد الجراحي باستخدام الواقع المعزز"، وفقًا له.
الطب بين التقنية والإبداع البشري
لكن الدكتور العظمة يشدد على نقطة مهمة، وهي أن الجراحة ليست مجرد تقنية: "إنها قرار، حدس سريري وفهم لفيزيولوجيا الجسم البشري في لحظة حرجة. الذكاء الاصطناعي قد يساعد، لكنه لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية القرار الأخلاقي الذي يجب أن يتخذ في غرفة العمليات".
نصيحة للمرضى:
وفي ختام حديثه نصح الدكتور العظمة المرضى بضرورة التركيز على خبرة الجراح بدلاً من التركيز فقط على نوع التقنية المستخدمة: "اسألوا عن خبرة الجراح، عن معدل المضاعفات، وعدد الحالات المشابهة التي أدارها. التقنية هي أداة، لكن الخبرة هي الأساس".
كما وجه نصيحة فلسفية قائلاً: "الطب يتطور بسرعة مذهلة، لكن الجسد البشري ما زال يعمل بنفس القوانين البيولوجية التي كتبها التطور منذ ملايين السنين. كلما احترمنا هذه القوانين، نجحت الجراحة، سواء عبر شق 15 سم أو ثقب 1 سم".
بينما يُتوقع أن يكون المستقبل مفعمًا بالابتكارات الجراحية المتقدمة، مثل الجراحة الدقيقة المعتمدة على البيانات والذكاء الاصطناعي، تظل المهارة الإنسانية في غرفة العمليات العنصر الأكثر أهمية. فالتقنية قد تُحسن من دقة العمليات وسرعتها، لكنها لن تحل محل القرار الجراحي الموجه بالخبرة والفهم العميق للفيزيولوجيا البشرية.
|
|||
| Copyright © aldabour.net - All rights reserved 2026 |